حيدر حب الله
18
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
وبهذا يظهر أنّ مسألة اللغة ليست سوى طريق لمديات يقين الناقل بصحّة ما ينقل وكيف ينقل ، لا أنّها بنفسها معيار في القضيّة ، فلاحظ ؛ لأننا نتكلّم حاليّاً في الموقف الشرعي للناقل ، لا في موقفنا الشرعي والمعرفي مما ينقله هو لنا . ب - التمييز بين اليقين بدقّة الأداء وعدمه النظريّة الثانية : وهي النظريّة التي ترى جواز نقل الحديث بالمعنى ، لكنّها تميّز أيضاً بين حالة يقين الراوي بأنّ النصّ الذي ينحته للمعنى وافٍ بالمراد الذي سمعه من النبيّ أو الإمام ، فيجوز له النقل بالمعنى ، أما مع عدم هذا اليقين ، فلا يجوز له ذلك . وهذا ما نجده في كلمات بعضهم « 1 » . وهذا التفصيل هو الذي رأينا أنّ النظريّة السابقة تؤول إليه منطقيّاً ، ولكن يُفترض بهذا التفصيل أن يكون مبنيّاً على حرمة قول ما لا علم به ، أو على حرمة نسبة شيء لشخص لا تُحرز النسبة إليه فيه ، خاصّة لو كان هذا الشخص هو مصدر من مصادر معرفة الدين والشريعة ، حيث قد يدخل ضمن الافتراء على الله أو القول بغير علم عليه سبحانه ، وهو محرّم قطعاً ولو لم يصدق عليه عنوان الكذب ، وإلا فمجرّد عدم يقينه بكونه مطابقاً لما سمع لا يساوي الكذب ، الذي هو إخبار بما ليس بواقع . وأعتقد بأنّ هاتين النظريّتين - بعد دمجهما بالطريقة التي طرحناها - لا يتخلّى عنهما أيّ شخص من القائلين بجواز النقل بالمعنى ؛ لأنّ لهما صلة وثيقة بعنصر الوثاقة والأمانة والضبط والعدالة ، ولهذا لا أظنّ أنّ من أدرجهم الخطيب البغدادي مثلًا في مجيزي النقل بالمعنى « 2 » ، يختلفون عمّن ذكرهم هنا . ج - التمييز بين نقل الرواية الشفويّة ونقل المصنّفات والكتب النظريّة الثالثة : وهي نظريّة التمييز بين نقل الرواية ونقل المصنّفات ، حيث قالوا : يجوز
--> ( 1 ) انظر : البغدادي ، الكفاية : 232 - 233 ؛ ووصول الأخيار ( رسائل في دارية الحديث 1 ) : 448 . ( 2 ) انظر : البغدادي ، الكفاية : 239 - 247 .